ابراهيم بن عمر البقاعي
675
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
من الصوف المشتبك المبلول ، لا يعسر عليهم تمييزها من الجسد ، ولا يخفى عليهم شيء منها في شيء منه ، قائلين ترويعا لهم وتصويرا للعنف والشدة في السياق والإلحاح والتشديد في الإزهاق من غير تنفيس وإمهال ، وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم المسلط الملازم أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ فكأنهم قالوا : لما ذا يا رسل ربنا ؟ فقالوا : الْيَوْمَ أي هذه الساعة ، وكأنهم عبروا به لتصوير طول العذاب تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ أي العذاب الجامع بين الإيلام العظيم والهوان الشديد والخزي المديد بالنزع وسكرات الموت وما بعده في البرزخ - إلى ما لا نهاية له بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ أي تجددون القول دائما عَلَى اللَّهِ أي الذي له جميع العظمة غَيْرَ الْحَقِّ أي غير القول المتمكن غاية التمكن في درجات الثبات ، ولو قال بدله : باطلا ، لم يؤد هذا المعنى ، ولو قال : الباطل ، لقصر عن المعنى أكثر ، وقد مضى في المائدة ما ينفع هنا ، وإذا نظرت إلى أن السياق لأصول الدين ازداد المراد وضوحا وَكُنْتُمْ أي وبما كنتم عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ * أي تطلبون الكبر للمجاوزة عنها ، ومن استكبر عن آية واحدة كان مستكبرا عن الكل ، أي لو رأيت ذلك لرأيت أمرا فظيعا وحالا هائلا شنيعا ، وعبر بالمضارع تصويرا لحالهم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 94 إلى 96 ] وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 94 ) إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 95 ) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 96 ) ولما كانوا ينكرون أن يحس الميت شيئا بعد الموت أو يفهم كلاما ، وكان التقدير كما دل عليه السياق : فتتوفاهم الملائكة ، لا يقدر أحد على منعهم ، فيقول لهم : قد رأيتم ملائكتنا الذين أخبرناكم أول السورة أنهم إذا أبصروا كان القضاء الفصل والأمر البت الحتم الذي ليس فيه مهل ، عطف عليه قوله مشيرا إلى ما كان سبب استكبارهم من الاجتماع على الضلال والتقوّى بالأموال : وَلَقَدْ جِئْتُمُونا أي لما لنا من العظمة بالموت الذي هو دال على شمول علمنا وتمام قدرتنا قطعا ، ودل على تمام العظمة وأن المراد مجيئهم بالموت قوله : فُرادى أي متفرقين ، ليس أحد منكم مع أحد ، ومنفردين على كل شيء صدكم عن اتباع رسلنا كَما خَلَقْناكُمْ أي بتلك العظمة التي أمتناكم بها بعينها أَوَّلَ مَرَّةٍ في الانفراد والضعف والفقر ، فأين جمعكم الذي كنتم به تستكبرون ! وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ أي ملكناكم من المال ومكناكم من إصلاحه نعمة